طاهر مرسي يكتب: الذهب المستفيد الأول من أزمة الين وسوق السندات الأمريكية

ارتفعت أسعار الذهب بقوة عقب صدور بيانات سوق العمل الأمريكية اليوم لتلامس 4371 دولارا للأوقية، وفقا للأسعار الفورية.

ما بين ردة فعل السوق على إفصاح وارش الأخير بعدم رفع سعر الفائدة.

والكارثة الحالية التي يشهدها الين الياباني.

باتت مؤشرات “التحذير” على المدى القريب في أسواق الأسهم والسندات عمومًا ذات جدوى حقيقية.

والحكمة من التمسك بالمعادن النفيسة خصوصًا، على المدى الطويل، واضحةً وضوح الشمس.

المشكلة الأساسية هناك، في سوق السندات

فيما يتعلق بالمخاطر الحقيقية التي تتعرض لها الأسواق المالية، وتمس بشكل مباشر التنبؤات الاقتصادية، لا يمكن تجاهل تأثير “سوق السندات”.

فهي المقياس، والمعيار، ومرآة ثقة المستثمرين بالسندات.

عند انخفاض الطلب عليها، ينخفض سعرها، وترتفع عوائدها.

وهذه العوائد، الآن “الأعلى منذ عقود” تُمثل التكلفة الحقيقية للديون السيادية، والتي نعلم جميعًا أنها تتجاوز حدود الاستدامة.

مع ديون عامة تقترب من 40 تريليون دولار، وهي في الحقيقة تُدار بشكل كارثي، مما يعد إهمالاً جسيماً، فإن آخر ما تحتاجه الولايات المتحدة اليوم هو ارتفاع عوائد سنداتها السيادية طويلة الأجل.

لا سيما مع وجود أكثر من 8 تريليونات دولار من هذه السندات مُعرّضة لإعادة التمويل (بسعر فائدة أعلى بكثير) خلال الاثني عشر شهراً القادمة.

في الوقت الراهن، تدفع أمريكا 3 مليارات دولار يومياً كفوائد فقط على ديونها العامة.

وارتفاع العوائد، هو في حقيقته ارتفاع في تكاليف الديون.

وارتفاع تكلفة الديون هو في حقيقته نتيجة طبيعية للسياسات النقدية والمالية التي قام بها الفيدرالي خلال مسيرته الطويلة منذ 1913، والتي أدت في النهاية إلى أكبر عاصفة ديون تجتاح الولايات المتحدة، من صنع أيديهم.

تزامن ارتفاع العوائد مع ارتفاع مستويات الديون يعني حسابياً اللجوء إلى المزيد من خفض قيمة العملة لتضخيم فاتورة الحكومة الأمريكية المتزايدة بشكل فاحش.

وهذا يعني أيضاً أن دور الذهب كمخزن للقيمة الحقيقية بدلاً من العملة الورقية بدأ للتو في الظهور.

إذن، كيف لنا أن نعرف ما يخبئه المستقبل للذهب في ظل هذا التحول الهيكلي في بنية النظام النقدي العالمي؟

في الواقع، وضع الين الياباني، وتصريحات رئيس الفيدرالي الأمريكي، ديفيد وارش يوضح حجم المشكلة التي يعاني منها النظام، ويؤكد ما ذهبت له دوما وأكدت عليه من أن تعامل الفيدرالي منذ 2008 هو ما أدى للكارثة التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي، ولحقت به اليابان.

الين الياباني ينخفض إلى أدنى مستوياته مقابل الدولار الأمريكي منذ أربعة عقود.

لا يخفى على متابع أن أصل مشكلة الين تعود بالأساس إلى الطباعة المفرطة للنقد الورقي على مدار عقود.

وانخفاض أسعار الفائدة المستمر.

وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل كارثي.

لقد أصبح الأمر يشبه وباء رأسماليا، يضرب الاقتصادات المتقدمة المرتبطة بمنظومة الدولار.

اليابان تتخلص من السندات الأمريكية لإنقاذ الين

حاولت اليابان إنقاذ الين بدعم نقدي بقيمة 73 مليار دولار، قامت بتوفيرها من خلال بيع ياباني ضخم لسندات الخزانة الأمريكية.

وبالرغم من هذه الاستراتيجية، التي كان يمكن أن تكون ناجعة فيما مضى، إلا أنها فشلت فشلًا ذريعًا في الوقت الحالي.

كما فشلت محاولة رفع أسعار الفائدة إلى 1% في يونيو، وهو بالمناسبة أعلى مستوى منذ التسعينيات.

هل انتهى عصر تجارة الفائدة (Carry Trade)؟

أصبحت اليابان المقرض المفضل لدى النخب المصرفية العالمية والشركات الكبرى، الذين كانوا يقترضون الين بسخاء دون مقابل، مع أسعار فائدة صفرية أو حتى سلبية، ثم يحولونه إلى تريليونات الدولارات لتحقيق مكاسب هائلة في مؤشري ستاندرد آند بورز وناسداك.

أطلق الخبراء على هذا النوع من التجارة اسم ” The Carry Trade ” اليابانية.

لقد كانت أفضل شئ تم اختراعه لدعم الأسهم الأمريكية.

لكن البنوك اليابانية الآن تفرض قيودا صارمة وأوقفت تدفق هذا سيل الأموال المجانية هذا.

ونستطيع القول أن تجارة الفائدة (كاري تريد) قد انتهت عمليا، فيما يخص اليابان والين الياباني منذ أغسطس 2024، وهي الآن تتجه لإيجاد بدائل مجدية، وتتزايد آثارها لتتحول إلى موجات عاتية تتجه للعصف بحسابات التقاعد الخاصة.

أسهم التكنولوجيا أحد أسباب الأزمة الحالية

شهد مؤشر ناسداك أسوأ أداء له في شهر يوليو منذ عقود.
وقد أظهرت بيانات الإفصاح أن هذا التراجع اكبير يقف خلفه عمليات بيع مكثفة لأسهم التكنولوجيا قامت بها الشركات اليابانية.

وينظر لهذا البيع باعتباره محاولة من الشركات لإعادة أموالها إلى الوطن.

وبالرغم من صعوبة الأمر، وفشله في كثير من الأحيان، إلا أنه اقعي، لاستغلال أكبر فرصة للمراجحة في سوق العملات منذ عقود.

فهذا هو أفضل وقت لليابان للاستفادة من ارتفاع قيمة الأسهم المقومة بالدولار.

مع وصول الين إلى أدنى مستوياته التاريخية.

image

كيف أثرت مبيعات اليابان لأسهم التكنولوجيا على سوق السهم الأمريكي كله؟

بالنظر إلى التوقيت، فهو بلا شك سيء للغاية بالنسبة للأسهم والسندات الأمريكية.

خاصة وكما هو معرف فإن تحركات اليابان ليست بمعزل عن غيرها.

فعندما يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة وتنتهي عمليات المضاربة على فروق أسعار الفائدة، في ظل إغلاق صناديق التحوط لمراكزها في الأسهم ذات الرافعة المالية، لا يجد هؤلاء المؤثرون في وول ستريت خيارًا سوى إعادة شراء الين لسداد التزاماتهم الائتمانية.

وللحصول على هذه السيولة، يتعين على مديري الصناديق أنفسهم (والعديد من المديرين التنفيذيين في الشركات الكبرى) بيع كميات هائلة من الأسهم الأمريكية وسندات الخزانة الأمريكية.

بسعة يتحول الأمر إلى وضعٍ بالغ الخطورة، مع قيام صناديق التحوّط اليابانية، والعالمية ببيع الأصول الخطرة في ذروة فقاعة سوقية لا يُمكن إنكارها.

وهو أمرٌ خطير، حيث لن تقتصر الخسائر على أسهم شركات التكنولوجيا التي تُبالغ في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، للحصول على التمويل اللازم بتنفيذ خططها المالية بعيدا عن خططها الصناعية بشكل واضح.

ومازال سوق سندات الخزانة الأمريكية عرضة للانخفاض بشكل حاد قبل أن ينتهي الصيف الحالي.

مما يعني انخفاض أسعار السندات، وبالطبع ارتفاعًا كبيرًا في العوائد.

شئ ما يُكسر هناك

كل شئ يرتفع سعره.

مرة أخرى (وكما رأينا في مارس 2020، والسنة المالية 2022، أو حتى يوم التحرير في 2025)، تتراجع أسعار الأسهم والسندات معًا بدلًا من العمل بشكل منطقي، عكسيا، وتعمل كلٌّ منهما على تقليل مخاطر الأخرى.

فقدت السندات وضعها كملاذ آمن

لم تعد السندات الأمريكية في ظل هذا المستوى غير المسبوق وغير المستدام من الديون السيادية، ملاذا آمنا، وهو ما دفع المستثمرون، للبحث عن ملاذ آخر أكثر أمانا.

يمثل هذا الوضع، بطبيعة الحال، معضلةً لخبراء السياسة في الاحتياطي الفيدرالي، وتستحق كلمات كيفن وارش أن تُترجم من مجرد كلامٍ مُنمّق إلى واقع.

الفيدرالي في ورطة حقيقية

في الوقت الذي تم فيه كتابة اسم فولكر بأحرف من ذهب لنجاحه في القضاء على التضخم، والخروج بالولايات المتحدة بنجاح من اكبر أزماتها الاقتصادية، كان حجم الدين العام الأمريكي يُقاس بالمليارات لا بالتريليونات.

لكن الآن، يفشل نظام الاحتياطي الفيدرالي في معالجة التضخم باستخدام أداة الفائدة، من خلال رفع أسعار الفائدة، وذلك ببساطة لأن ميزانية واشنطن، وحجم ديونها الخرافي، وتكلفته الهائلة، لا تسمح برفع الفائدة.

رفع الفائدة سبب رئيسي في ارتفاع التضخم

الدورة ليست مثالية كما تعتقدون.

يعتقد كثيرون أن رفع الفائدة هو أهم أداة لكبح التضخم.

لكن هذا في الحقيقة أمر مضلل، وقد أشرت له منذ سنوات، خاصة في 2022 عندما بدأ الفيدرالي في رفع الفائدة.

فمع نهاية كل دورة رفع للفائدة يضطر الفيدرالي للتوسع في طباعة المزيد من الدولارات المُخفضة القيمة لسداد الزيادة التي أحدثها فرق الفائدة أثناء الرفع.

لقد تحولت الأمولة لشبح مخيف يهدد مستقبل أميركا

عندما سيطرت الأمولة (تحول الشركات للاستثمار في أسواق المال، والاستثمار في التمويل وفروق العوائد)، بعيدا عن التصنيع، فقد الاقتصاد الأمريكي قدرته التنافسية.

ووقعت الدولة في فخ الهيمنة المالية، مما جعل أي اتجاه لرفع أسعار الفائدة، والتي يسميها الفيدرالي سياسة مُكافحة التضخم، تضخميةً بحد ذاتها.

حيث ترتفع عوائد سندات، الخزانة، وسندات الشركات، وبالتالي ترتفع تكلفة الدين على الدولة وعلى القطاع الخاص، مما يحفز التضخم، ويجعله متجذرا هيكليا، غير عارض، ومن ثم يصبح علاجه أكثر صعوبة من أن تستطيعه اداة الفائدة، التي صنعته بالأساس.

المعروض النقدي في أميركا يكسر حاجز الصوت

يرتفع المعروض النقدي، الكتلة النقدية M2 بشكل مرعب.

إنه يتضاعف تقريبا كل عقد.

image

هل يفقد الفيدرالي السيطرة على سوق السندات؟

جاء رد الفعل الصريح والعنيف في السوق نتيجةً لتصريح آخر أدلى به وارش، ويجدر تكراره هنا لأنه يُعدّ بمثابة اعتراف ضمني بما كنا نحذر منه بوضوح وثبات، ألا وهو أن الاحتياطي الفيدرالي سيفقد في نهاية المطاف السيطرة على سوق السندات.

سئل وارش في بداية المؤتمر الصحفي الأخير، مباشرةً عن سبب عدم تصويت تسعة من أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية (وارش نفسه أحد الممتنعين عن التصويت) لصالح رفع أسعار الفائدة.

ما لفت نظري حقا هو ردّه الغريب والعجيب:

“أسعار الفائدة اليوم أعلى مما كانت عليه قبل 42 يوماً.

اتخذت الأسواق قراراتها لأننا تراجعنا جزئياً عن محاولة التأثير عليها.

ارتفعت تقديرات السوق لأسعار الفائدة الاسمية على امتداد منحنى سندات الخزانة…

الأسواق تتفاعل في الوقت الفعلي. لا تقتصر أهمية السياسة النقدية على ما نقوله أو حتى ما نفعله…

هذه الأسعار التي نشهدها في الأسواق المالية هي إحدى الطرق العديدة التي تؤثر بها السياسة النقدية على الاقتصاد الحقيقي.”

وترجمة هذا، بعيدا عن الدبوماسية، والغموض الذي يغلف الإجابات الرسمية: “لم تعد الأسواق تثق في سنداتنا فترفع أسعار الفائدة دون أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي لرفعها.

إنها تحدد لنفسها علاوة مخاطر خاصة بها، خارجة عن سيطرتنا.”

في نهاية المطاف، سوق السندات نفسه هو من يحدد عوائد السندات، وليس سياسات الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة أو الميزانية العمومية، وبالتالي من يسعر الديون الآن هو المشترون، الدائنون، وهذه سابقة تاريخية فيما يتعلق بالديون الأمريكية.

وهذا التسعيرالذي يعتمد على مؤشرات تقليدية كعوائد السندات، يقود باتجاه ارتفاع حاد لا يمكن السيطرة عليه.

فارتفاع العوائد مصلحة أساسية للمشتري، الذي يقوم بالتسعير ابتداءا.

إن ارتفاع تكلفة الديون، مدفوعًا بانعدام الثقة في سندات الدين المُثقلة بالديون والمُستخدمة كسلاح.

بالإضافة إلى موجات هائلة من البائعين (كما في حالة اليابان) مقارنةً بالمشترين لسندات الحكومة الأمريكية، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع.

وهذا يعني أيضًا أن الأسهم المدعومة بديون رخيصة ستنهار، وكذلك السندات غير المرغوبة عالميًا.

هل يستطيع الفيدرالي حل الأزمة الحالية؟

لقد اصبح تدخل الاحتياطي الفيدرالي للسيطرة على هذه العوائد بطباعة تريليونات الدولارات من خلال التيسير الكمي المباشر أو غير المباشر لشراء هذه السندات غير المرغوبة موضوعيًا، مرضا لا علاجا. 

يفاقم الأزمة ولا يضع لها حلولا جذرية. 

وهو أمر متكرر منذ 2008، ولم تشهد أميركا ولا اقتصادها أي تحسن ملحوظ من وقتها. 

خفض قيمة الدولار حل مكلف لكنه الأفضل

هنا يبرز الحل الذي حاول كثيرون الحديث عنه، وربطه بسياسات الرئيس ترامب. 

ألا وهو استمرار انخفاض قيمة العملة (الدولار). 

حيث تضحي أميركا بخفض قيمة الدولار المتنامي باستمرار من خلال الطباعة المفرطة لإنقاذ (دفع) ديونه اللامتناهية. 

صحيح أن التضحية بالعملات الورقية لإنقاذ السندات المتعثرة هي أحد أقدم وأخطر الحيل في التاريخ الطويل لدول كانت عظيمة في يوم من الأيام، تتعرض لأزمات ديون ونقطة تحول حاسمة تحدد مصير هيمنتها. 

انخفاض الذهب كان فرصة لتعديل مراكز الدائنين المالية

مع القيمة السلبية لمعدلات الفائدة الحقيقية على الدولار، في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع عوائد سندات الخزانة، اتجهت كبار المؤسسات والمستثمرين إلى الحصول على علاوة أفضل من خلال شراء الذهب من مراكز متدنية تعوض فرق العوائد، والقيمة السلبية للفائدة.

gold 2026 08 07 20 02 31

وكما هو معتاد، فإن عامة الناس هم آخر من يدرك حقيقة الذهب.

لقد تعرضوا للضغوط والاحتيال من خلال التلاعب بالأسعار وعناوين الأخبار المثيرة.

بينما كانوا يفكرون في الهروب من الذهب، بالبيع عند أي سعر، اشترى كبار المستثمرين أهم أصول العالم بخصم كبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *