طاهر مرسي يكتب: كيف تؤثر مشتريات البنوك المركزية على أسعار الذهب

ظهر مؤخرا، وبقوة سؤال مهم عن تأثير مشتريات البنوك المركزية من الذهب على أسعار الذهب.

ولعل أهم سبب لطرح هذا السؤال الآن تحديدا، هو استمرار انخفاض أسعار الذهب، رغم استمرار البنوك المركزية ف شراء الذهب، بل وبشراهة أكبر مما مضى.

وقبل أن أبدأ الإجابة على هذا السؤال أطرح مجموعة من الأسئلة التي ستساعدنا في فهم الموضوع بشكل أوضح:

أولا: ماذا لو لم تكن البنوك المركزية تشتري كل هذه الأطنان من الذهب، برأيكم هل تخيلتم سعر الذهب وقتها؟

ثانيا: لقد بدأت البنوك المركزية موجة الشراء الكبرى مع أزمة 2008، وكان سعر الذهب وقتها يقترب من 680 دولارا للأوقية، فهل انخفضت الأسعار لتسجل رقما أقل من هذا الرقم منذ 2008 وحتى الآن؟

ثالثا: كانت البنوك المركزية بائعا صافيا للذهب قبل أكتوبر 2008، فهل كانت أسعار الذهب ترتفع أم تنخفض وقتها؟

نقطة البداية دوما هي لحظة بريتون وودز.

بريتون وودز أصل مشكلة الدولار

فهناك كتبت كل فصول قصة الذهب، والدولار، التي نعيشها الآن.

إنها اللحظة التي حددت مصير الدولار، قبل الذهب، على عكس ما تخيله المجتمعون وقتها، أو على الأقل على عكس ما خطط له الأمريكان، الذين كانوا يطمحون في تحكم مطلق وسيطرة كاملة على النظام النقدي الدولي، وما يتبعه من هيمنة على التجارة الدولية، وضمان عصور متعددة من التفوق والازدهار دون الخوف من أي منافسة، بعد إغراق العالم بالدولار الورقي عديم القيمة.

لقد نجحت الخدعة لأسباب عدة.

تواطؤ غربي، بعد خسائر فادحة في حرب أوروبية كلفتهم ملايين القتلى، ومليارات الدولارات من الخسائر، خلفت اقتصادات محطمة حرفيا.

موافقة شرقية، حيث غض الاتحاد السوفيتي القوة المناوئة الأكبر وقتها الطرف عما يحدث، واعتبر الأمر مجرد أحلام، لن تتم طالما لم يتم التوافق عليها دوليا، وامتنع عن تأييد نظام الدولار، أو الاعتراض عليه، واتخذ أمرا رآه القادة السوفييت محايدا، إلا أنه كان في الحقيقة مؤيدا، وقد ظهرت تبعات هذا القرار تاليا في هيمنة مطلقة للدولار في ظل غياب التوافق الذي كان يتندر عليه السوفييت.

تبعية المستعمرات، الدول المحتلة، حول العالم.
حيث لم يكن للدول المحتلة وقتها رأي أو قدرة على الاعتراض أو انتقاد ما تفعله دول الاحتلال، حتى أن هيئة الأمم كانت تعتبرها أرض مستعمرات تحت وصاية المحتلين، وكان هناك ما يعرف بمجلس الوصاية!
فهل يعقل وقتها أن يكون لهذه الدول أي رأي فيما يحدث؟
الآن بعضها يفتخر بكونه من اوائل من ساهم في إنشاء تلك المؤسسات الدولية التي أنشأها المستعمرون!

لماذا كانت بريتون وودز مشكلة للدولار وليس الذهب؟

لقد تحايل الأمريكان على العالم لجعل الدولار الورقي في النهاية عملة معترف بها بعيدا عن الذهب.

لكن هذا التحايل أنتج معضلة معروفة تاريخيا ألا وهي “موت العملة الورقية مع انعدام الثقة”.

كان مبعث الثقة وقتها، والذي اعتبره المريكان مصدر فخر لهم وللعالم، هو قوة اقتصادهم، وقوة جيشهم بالتبيعة، وقدرتها على حماية الاثنين ضد أي مخاطر.

وكانت الخطابات وقتها لتبرير إحلال الدولار كعملة تسعير دولية رنانة، وحماسية أكثر من كونها منطقية اقتصادية.

وللقفز على كل العقبات اضطر المريكان للموافقة على معيار الذهب وقتها.
وهو ما اقتصى تسعير الدولار بالذهب.
بموجبه تلتزم الولايات المتحدة بضمان كل 35 دولارا بأوقية ذهب عيارية، توفرها عند طلب استبدال أوراق الدولار.

كل هذا تم الاتفاق عليه في بريتون وودز، هذا إيجاز للإيجاز، فالأمر فيه مشاورات ومداولات واجتماعات كثيرة، ورفض وموافقات متعددة، يمكنكم الرجوع للقصة كاملة من خلال البحث والتوسع في استقصاء الموضوع.

احتيال نيكسون 1971 وإلغاء قاعدة الذهب

ولأن الأمريكان منذ البداية لم يكونوا يريدون التورط في عملة ذهبية، منذ البداية، ومع ازدياد قوتهم الاقتصادية، والعسكرية، ومع كثرة الحروب التي خاضوها، تراكمت لديهم مبررات التنصل من قاعدة الذهب.

لقد كانت الولايات المتحدة حرفيا مفلسة، وتطبع أوراق الدولار دون أي ضمان ذهبي، وتخطت حجم الذهب المخزن لديها بعشرات بل بمئات الأضعاف، في ظل غياب المسائلة، والرقابة، ومن سيراقب أميركا؟!

لكن الخدعة لم تكن في إفلاسهم، أو التحايل على هذا الإفلاس بإلغاء قاعدة الذهب، بل في نجاحهم في توريط دول العالم في عملة ورقية لا قيمة لها، لا يمكنهم الاعتراف بفقدانها القيمة فينهاروا جميعا قبل أن تنهار أمريكا.

وفي هذه اللحظة بالضبط أعلن نيسكون عن القرار المبيت أصلا بإلغاء قاعدة الذهب.

ليس لكم ذهب عندنا!

الدولار هو عملة ونحن نضمنها، من يعترض؟

لا أحد…

إذن فالدولار هو عملة العالم ونحن، أميركا، نملك المطبعة الوحيدة له.
ونطبع ما نشاء وقتما نشاء…
ولا تملك أي دولة طباعة دولار واحد، وإلا سنحاسبها.
وكأن لا أحد يملك ورقا لطباعة الدولار مثلما تملك أميركا!

فترة ازدهار الدولار

وفي عام 1976 تم الاتفاق في جاميايكا على اعتبار الدولار الورقي هو العملة الوحيدة للتسعير والتبادل التجاري الدولي.

واتخذت بعدها كثير من الإجراءات لترسيخ دور الدولار دوليا، وضمان هيمنته أطول فترة ممكنة، في مقررات بازل المتتابعة، وفي قوانين، ولوائح صندوق النقد، والبنك الدولي، وبنك التسويات الدولي، وغيرها من المؤسسات المالية والنقدية والسياسية، بل والعسكرية في كثير من الأحيان.

ومع الدولار شهدت أميركا أزهى عصور ازدهارها، والتي تكللت بانهيار الاتحاد السوفيتي، لتجلس منفردة على عرش العالم.

غرور القوة

ومع غياب أي منافس حقيقي للولايات المتحدة، على مدى نصف قرن تقريبا، تحولت مظاهر القوة إلى أدوات عربدة سياسية، وأدوات قهر وهيمنة وتسلط.

وارتكبت الولايات المتحدة الخطأ الأكبر في تاريخها والذي تدفع ثمنه حتى الآن، من مكانتها ومستقبلها على حد سواء.

إنه “تسليح الدولار.

تسليح الدولار تحول دراماتيكي في حياة الدولار كعملة

تسبب تحول الولايات المتحدة لقطب أوحد في العالم، في شعورها بالقوة المطلقة، والشعور بالفوقية، واعتبار العالم بلا استثناء مجرد دول تابعة لها، لا يمكن لأحد معارضتها، أو انتقاد سياستها، وعلى الجميع أفرادا وجماعات، ودولا، أن يكونوا تابعين، منصاعين وإلا عرضوا أنفسهم لمجموعة من العقوبات التي تضمن خضوعم وإذلالهم.

وعلى رأس هذه العقوبات كان الدولار.

فأصبحت مصادرة الأصول المالية للدول أسلوبا ومنهجا أمريكيا تقليديا لمعاقبة الدول وحتى الأفراد.

ومن هنا بدأ العالم يستشعر خطورة الدولار.

فكل من يعارض أمريكا، أو ينتقدها، أو يخالفها أو يختلف معها مجرد اختلاف سيتم مصادرة أصوله المقومة بالدولار.

فما العمل للنجاة من هذه المشكلة؟

الذهب ملاذ آمن للدول قبل الأفراد

هنا فقط استشعر العالم أن عودة الأمور لمجراها الطبيعي التاريخي، الطبيعي، هو الحل للخروج من هذه العبودية التي يريد المريكان فرضها على الجميع، وكأن العالم كله، بكل دوله وشعوبه مجرد موظفين أو محتلين يجب عليهم دفع الجزية للأمريكان، ومن يعترض يعاقب بمصادرة أمواله.

وهذا الحل معروف منذ الأزل.
وهو الحل الذي طالما رفضه المريكان بكل حجة، أو خدعة ممكنة.

إنه الذهب.

المال الحقيقي.

المال الذي تعترف به كل الدول، حتى أمريكا نفسها.

المال الذي لا يعترض على قيمته أحد، ولا على دوره شخص او دولة.

وظهر للعالم أهمية الذهب باعتباره ملاذا آمنا للدول ضد دولار العقوبات، وأصلا للتحوط ضد مستقبل الدولار المعروف!

فقدان الثقة في الدولار، الكساد العظيم كان شرارة التخلي عن الدولار

ومع الكساد العظيم في 2008، ومع توجه الولايات المتحدة من تلقاء نفسها لطباعة تريليونات الدولارات لإنقاذ مجموعة من البنوك الخاصة، دون اعتبار لتاثير ذلك على باقي دول العالم، وما تسبب فيه من تضخم أدي لسقوط وانهيار عملات دول كثيرة، وتحولها من حياة الرفاهو، أو الاستقرار إلى العوز، والاضرابات على جميع المستويات، وما تلا ذلك من ثورات واتنتفاضات سميت بالربيع العربي، وفي غيرها من الدول.

هنا فقط انطلقت شرارة التخلي عن الدولار.

لقد سقطت آخر ورقة توت عن الدولار، وفقد الثقة بشكل شبه كامل، من قبل صانعي القرار حول العالم، خاصة الاقتصادات النامية والناشئة الذين عانوا مع الدولار سنوات عجاف، ووصلت ديون العالم لعتبات تاريخية تخطت حاجز الـ300 تريليون دولار، منها حوالي 40 تريليون دولار حصة امريكا وحدها، من الطباعة دون ضمان، أما العالم فقد استدان ليأكل ويعيش على الفتات.

لقد ادرك العالم كيف أن الولايات المتحدة تمثل خطرا على مستقبلهم، مع تصرفها بسكل أحادي ضار بالجميع، دون أي اعتبار لتبعات طباعة الدولار بهذه الكميات على العالم.

هنا فقط انتفض العالم ضد الدولار.

تحول منحنى شراء البنوك المركزية من الذهب

وبدأت دول العالم في التحول إلى مشترين صافيين للذهب، بعدما كانوا بائعين صافيين قبل 2008.

ومع صعود قوة الصين الاقتصادية، وتحولها لأكبر حائز لاحتياطي الدولار في العالم، أكبر من أمريكا نفسها التي تطبع الدولار.

global intergold

حيث تمتلك الصين حوالي 3.5 تريليون دولار احتياطي مركزي، بينما أمريكا لا تملك واحد على عشرة من هذا الرقم.

فاحتياطي الولايات المتحدة من الدولار هو تقريبا 251 مليار دولار.

السبب أن الولايات المتحدة تطبع وتنتج لتسد ما عليها.

حتى هذا الاحتياطي لا يكفي فوائد الديون.

مع صعود الصين القوي هذا بدأت ملامح المشهد الدولي في التغير.

وبدأت الصين تعلن للعالم خطتها للتخلي عن الدولار، من خلال عقد تحالفت دولية، مثل بريكس وغيرها، لتقعيد، وتصعيد موجة التخلي عن الدولار، وترسيخ العودة للذهب، كملاذ آمن ضد الدولار الذي بدأ يفقد مكانته ذاتيا مع تراجع أداء الاقتصاد الأمريكي، وتقلص نسبته من الاقتصاد الدولي، وتربع الصين على عرش الصناعة العالمية، وهيمنتها الاقتصادية.

البنوك المركزية تشتري المستقبل، لا الذهب!

مشتريات البنوك المركزية المتزايدة تعبر عن تحوط ضد الدولار مما يعني انها تستشرف مستقبل الدولار.

ولو كانت تثق في مستقبل الدولار، فلن تقوم بالتخلي عنه.

إنها معادلة ابسط مما نتخيل.

تراجع نسبة الدولار في الاحتياطيات المركزية هو سبب ضعف الدولار، وليس مؤشر ديكس DXY

تخلى البنوك المركزية عن الدولار، هو السبب الأهم، بعد التراجع الاقتصادي الأمريكي الذي أدى لتراجع نسبة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية.

وبالتالي تراجع قوة الدولار، مع تراجع الحاجة إليه.

هذا هو الأمر اقتصاديا بعيدا عن مؤشر “الدولار اندكس” أو مؤشر DXY المعروف الذي يقيس قوة الدولار من خلال مقارنته مع 6 عملات أخرى.

فهو لا يعدو كونه قياس لأداء مريض مقابل أموات.

فكلهم عملات النظام الورقي، التي أنشأها الدولار، وتستمر باستمراره، وتنهار بانهياره.

ضعف الدولار هو السبب الحقيقي لارتفاع اسعار الذهب

هذه الآلية، التخلي عن الدولار، وتعظيم احتياطيات الذهب، هي التي تدفع باتجاه ارنفاع اسعار الذهب.
لانها ببساطة محض تغيير هيكلي مرتبط بمكونات النظام النقدي الدولي.
تعبر عن تغيير طويل المدى في النظام، وكذلك تاثيره على الذهب.

هذه الآلية هي أكبر هزيمة لورقة الدولار منذ إطلاقها في عام 1913 وما تلا ذلك من اعتمادها عملة التسعير الدولية في اتفاقية بريتون وودز.

كلما تراجعت نسبة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية، وفي التبادل التجاري الدولي، كلما ازداد ضعف الدولار كعملة ورقية، وارتفع سعر الذهب.

وهو عين ما يحدث حاليا.

تراجع أسعار الذهب أمر صحي بل قد يكون مطلبا مركزيا

مع الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب منذ 2022 وحتى يناير 2026، ومع وصول الأسعار لمستويات تاريخية، استفادت الدول التي تخلت عن كثير من دولاراتها لصالح الذهب.

لكن المعضلة تكمن في أن مواصلة الشراء بهذه الأسعار يمثل ضغطا على الميزانيات الحكومية، وهو ما كان يستدعي بعض الهبوط لصنع متوسطات شراء أفضل، والشراء بأسعار تنافسية جديدة.

وهو ما توافق عليه الجميع، وما حققه الهيوط الحالي.

فالهبوط الحالي قد يكون مضرا للأفراد الذين اشتروا من اسعار مرتفعة، لكنه صحي تماما، وممتاز بالنسبة للبنوك المركزية، التي استأنفت الشراء بقوة مع التراجعات الحالية في الأسعار، وفقا لمجلس الذهب العالمي.

بعد الهبوط يأتي الصعود!

هذه بديهيات الاقتصاد.

فكل انخفاض في السعار يعقبه صعود، والعكس.

وبالتالي فإن الأسعار الحالية تمثل فرصة قد لا تتكرر، بل لن تتكرر، للدول، والأفراد، لشراء الذهب.

نفس الأمر حدث سابقا، أكثر من مرة.

لعل أبرزها هو الهبوط الذي أصاب الذهب عام 2011، حيث هبط الذهب من قمته التاريخية عند 1920 دولارا تقريبا، حتى وصل إلى 1060 دولارا للأوقية.

وكان هذا التراجع الذي تم خلال 4 سنوات من سبتمبر 2011 وحتى يناير 2016 يمثل حوالي 50% من الارتفاع الذي حققه في حوالي 11 سنة حتى 2011.

لكن الذهب لم يستمر هناك طويلا، بل ارتفع بسرعة ليطسر القمة السابقة في 2020، ثم انفجار تاريخي في 2022، مستمر حتى الآن رغم ما نشهده من تراجع.

فسعر أوقية الذهب الآن 4070 دوارا.

الذهب في طريقه ايا كانت العقبات.
فهي مجرد محطات تزود بالوقود لمواصلة الصعود في نظام نقدي هش يعاني اسوأ فتراته التاريخية، التي تقترب من وصفها بفترة الغروب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *