قبل الخوض في التحليل الأسبوعي للذهب، لابد لنا من الإشارة إلى أن الوضع الحالي، ليس فقط للذهب، وإنما لجميع السلع والأسواق، التقليدية،و المالية، جميعها، هو وضع استثنائي بامتياز.
السبب بكل تأكيد هو الصراعات والنزاعات المسلحة التي يشهدها العالم.
على أن أهم ما يميز هذه النزاعات المسلحة عن غيرها، هو أنها تعبر عن صراع دولي شامل على شكل النظام الدولي.
وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان التوصل لحلول ناجعة تنهي الصراعات الدائرة.
وتوضح جغرافيا الحروب الحالية انتشار الحروب في مناطق ذات أهمية قصوى لسلاسل افمداد العالمية، وعلى رأسها الطاقة، وقود الحضارة عبر التاريخ!
العالم يخشى صدمة نفطية تتخطى القدرة على الاحتواء
من المثير للدهشة أن العالم لم يتعرض لضغوط أسعار النفط مع نشوب الحرب الروسية الأوكرانية.
فبدلا من ارتفاع الأسعار مع نشوب الصراع، اتجهت الأسعار لتسجيل أكبر تراجعات لها بعدما حققت ارتفاعات طفيفة لفترة وجيزة، لتقضي على فكرة الصدمة النفطية، وتريح العالم.
لكن منذ اندلاع الحرب الإيرانية والنفط تميل أسعاره نحو الارتفاع، لتعود مرة أخرى لمستويات ما قبل الحرب مع وقف القتال من جانب الولايات المتحدة.
حتى أصبحت الحرب عبارة عن مجموعة جولات تراقب فيها جيمع الأطراف أسعار النفط، فإذا ما استأنفت القتال، وارتفع النفط، على الفور يتم وقف إطلاق النار لتعود الأسعار كما كانت!
مضيق هرمز يتحكم في أسعار النفط بشكل كامل
مع بدء كل دورة من القتال تبدأ إيران في غلق المضيق، فتبدأ الأسعار في الارتفاع على الفور، مما يضطر الولايات المتحدة، وتحت ضغوط التضخم، لوقف إطلاق النار، لتهدئة الأجواء، وعودة فتح المضيق، لطمأنة أسواق الطاقة.
الإشكالية أن المضيق لا يتكتسب أهميته من تحكمه في عبور حاملات النفط، بل والغاز، والهيليوم، العنصرين الأهم على الإطلاق في صناعة الرقائق التكنولوجية، التي تقوم عليها ثورة التكنولوجيا العالمية الحالية، وأحد اهم مظهر، ومكون من مكونات الحضارة البشرية الآن.
وتوقف هذه الإمدادات، لن يؤثر فقط على المستوردين، بل على العالم كله.
اللاعب عند هذا المضيق كالراقص مع الذئاب.
إيران أغلقت مضيق هرمز هذا الأسبوع
وخلال الأسبوع المنقضي قامت الولايات المتحدة بضرب منشئات حيوية في إيران، وردت إيران برشقات صاروخية، وهجمات متعددة بالمسيرات على قواعد أمريكية بالمنطقة، وعلى منشئات حيوية خليجية، وكالعادة قامت بغلق المضيق، مما أدى لارتفاع اسعار النفط بأكثر من 10 دولارات للبرميل.
الذهب يتحرك بحذر مع تحرك أسعار النفط
مع بداية الحرب كانت أسعار الذهب تتحرك بشكل عكسي تماما مع أسعار النفط، فكان الذهب ينخفض مع كل ارتفاع للنفط، حتى أننا كنا نرى انخفاضا للذهب رغم انخفاض النفط.
لكن مع الموجة الأخيرة، خلال الأسبوع المنقضي لاحظنا تحرك أسعار الذهب نحو الارتفاع بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، مما يشير إلى تدخل عوامل أخرى تدفع أسعار الذهب للصمود أمام أسعار النفط.
شخصيا أميل إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، الرسمية عند 3.75%، يمثل تهديدا قويا للاقتصاد، بعد فترة طويلة من ارتفاع الفائدة، دون القضاء على التضخم.
الفائدة ليست دائما أداة ناجعة في خفض التضخم
الحقيقة الاقتصادية التي لا جدال فيها أن ارتفاع الفائدة، خاصة وإن كان بشكل شبه دائم، كما هي حاليا منذ 2022، يدفع نحو ارتفاع تكلفة الإنتاج، مما يصب في النهاية لارتفاع السعر عند باب المصنع، وفي المتاجر، وينتهي عند المستهلك.
هذه بديهيات تكلفة التمويل، في نظام اقتصادي يقوم على الأمولة، التي تعتبر فيها الفائدة هدفا للجميع، أعني الحصول على هامش ربح من التجارة في المال.
وهو أمر ضار بالاقتصاد لأبعد مدى يمكن تخيله.
الخاسر الأكبر من طول دورة التشديد هو المنتج، والمستهلك، علا عكس شركات الأمولة، التي نحت الإنتاج، واتجهت للربحية في أسواق المال.
لذلك أعتقد أننا سنرى انقلابا جوهريا الفترة المقبلة في المشهد الاقتصادي، والنقدي بشكل خاص.
لا يمكن الاستمرار في بيئة تصنع التضخم من خلال فائدة مرتفعة، وتكلفة تمويل تضر المنتجين، وتشحذ الركود.
وهو ما يفسر اتجاه أسعار الذهب للارتفاع مؤخر.
فكلما طالت مدة رفع الفائدة ارتفعت المخاطرة الاقتصادية، وارتفعت تكلفة العودة للمسار، وأصبحت جهود الإنعاش محل شك لا يقين.
ومع ارتفاع حالة اللايقين ترتفع الحاجة للتحوط.
هل يشهد الأسبوع المقبل استمرار صعود للذهب؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أننا أصبحنا مضطرين للتعامل مع الوضع الراهن بالقطعة.
أي أننا نراقب الوضع، فإذا أصدر ترامب أمرا بقصف إيران، فحتما ستنخفض أسعار النفط، أو لنكن أكثر دقة، ترتفع التوقعات بانخفاض الأسعار.
وإذا ما قرر ترامب العودة للمفاوضات، ووقف إطلاق النار ترتفع التوقعات بعودة الأسعار للارتفاع.
أسعار الذهب الحالية مشجعة
الحقيقة انه رغم كل ما يحدث، فإن أسعار الذهب الحالية مشجعة جدا، وفاتحة لشهية الاستثمار والادخار.
فأسعار الذهب الحالية عند مستويات متدنية جدا، مقارنة بما كانت عليه منذ شهور.
فعندما تهبط الأسعار من قمتها عند 5600 دولارا للأوقية، وتصل إلى مستوى دون 4000 دولارا للأوقية، فلا يمكن القول بأن الذهب ليس جيدا للشراء من هنا، بل هو ممتاز.
لأن ما ينتظره من هبوط، إن حدث لا يمكن أن يكون كبيرا، ايدا.
حتى أكثر المتشائمين يتحدث عن 200 أو 400 دولارا.
وهي فروق ليست كبيرة، ولا تبعد كثيرا عن المستويات الحالية، وقد نبهنا لذلك عندما وصلت الأسعار لمستوى 3950 دولارا.
أرقام مهمة في مسيرة الذهب
يعتبر مستوى 4165، و4330، أهم المستويات في مسيرة الذهب حاليا.
أي استقرار بإغلاق اسبوعي أعلى 4165 يدعم اتجاه الصعود بقوة.
وأي إغلاق أسبوعي أعلى 4330 يؤكد استئناف الاتجاه الصاعد، وانتهاء موجة التصحيح الهبوطية الحالية.

تداول الذهب أمر مختلف
التحليل السابق كما هو واضح خاص بالذهب الفيزيائي، المعدن، سبائك وعملات، مستهدف المستثمرين والمدخرين، والباحثين عن حفظ القيمة.
أما التداول، والمضاربة في أسواق المال فالأمر مختلف تماما، وله أدبيات وقواعد مختلفة.
كل التوفيق للجميع
